Questions économiques

كلمة السفير إدريس الجزائري، اليوم الدراسي البرلماني حول إدماج الاقتصاد الجزائري في المبادلات التجارية الدولية، الجزائر العاصمة، 8جوان 2011

اليوم الدراسي البرلماني حول إدماج الاقتصاد الجزائري في المبادلات التجارية الدولية

الجزائر العاصمة، 8جوان 2011

 كلمة السفير إدريس الجزائري

الممثل الدائم للجزائر في جنيف

 [رُوجِعَ عند الإلقاء]

السيد الرئيس،

أصحاب المعالي والسعادة،

السيدات والسادة أعضاء المجلس الشعبي الوطني الموقرين،

سيداتي وسادتي،

أوّد في بداية الأمر أن أعرب عن شكري وامتناني لمعالي رئيس المجلس الشعبي الوطني لتفضله بدعوتنا إلى هذا الملتقى الهام الذي جاء في وقته. كما أريد أن أهنئ كل من ساهم في إنجاح هذه التظاهرة المحمودة.

وددت أيضا مقاسمتكم تقييمي الشخصي لمسار انضمام بلدنا إلى المنظمة العالمية للتجارة، ومَا آلت إليه المفاوضات التي أجريت لحد الآن. فبعد استعراض عام للصعوبات التي واجهت وبقيت تواجه الطرف الجزائري في هذا الصدد سأقترح توجها نحو بعض الحلول التي أعتبرها لميسرة لمسار الانضمام.

السيد الرئيس،

بادرت السلطات الجزائرية عام 1987في اتباع سياسة اقتصادية تهدف إلى إدخال الاقتصاد الوطني في المبادلات التجارية الدولية عن طريق تقديم طلب الانضمام إلى الاتفاقية العامة حول التعرفة الجمركية والتجارة (GATT). وقد كان هذا المُرَامُ قَابَ قَوسين أو أدنى، حيث كان بإمكان الجزائر أن تكون عضوا مؤسسا للمنظمة العالمية للتجارة منذ 1994، بالتوقيع فقط على اتفاقية مراكش. إلاّ أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة آنذاك حالت دون ذلك. وقد أدى بنا هذا الموقف إلى الدخول في دوامة تفاوضية تم الشروع فيها فعليا ابتداء من 1998مع انعقاد أول اجتماع لفريق العمل للمنظمة العالمية للتجارة المكلف بانضمام الجزائر. وامتدت هذه المفاوضات على مدى عشر سنوات، حيث تم انعقاد الدورة العاشرة للفريق المذكور منذ ما يقارب الثلاث سنوات. ولم تعرف هذه المفاوضات تقدما ملحوظا منذ 2008.  

لقد شهد العالم تحولات اقتصادية عميقة وسريعة خلال هذه الفترة مما فرض على الاقتصاد الجزائري تحديات جمة لمواجهة تلك المستجدات وللتأقلم معها. ومما لاشك فيه، فإنه كان للأزمة الاقتصادية والمالية الأخيرة تداعيات على الوضع الاقتصادي والاجتماعي الوطني. إن معالجة هذا الوضع أثر على السياسة التنموية المتبعة في بلادنا، وكذا على موقفنا تجاه المسارات التفاوضية التي باشرتها مع شركائها الاقتصاديين في إطار إدماج اقتصادها في النظام التجاري الدولي. إن الانضمام للمنظمة العالمية للتجارة، هدفه تنويع القطاعات المنتجة من غير المحروقات وكذا الانتفاع من الفرص التي يتيحها الاقتصاد العالمي. ولكن بقي هذا المسعى حبيسا لمجموعة من العراقيل المتراكمة، نخص ثلاث منها بالذكر:

أولا ـ التأثير السلبي للتجربة السابقة مع صندوق النقد الدولي

إن تداعيات الإصلاحات الهيكلية التي طلبها صندوق النقد الدولي من الجزائر في منتصف التسعينات باتت تلقي بظلالها على معضلة انضمام الجزائر إلى المنظمة العالمية للتجارة. وبالفعل، لقد أدى برنامج الإصلاحات المذكور إلى نتائج غير مرغوب فيها، تمثلت أساسا في تردي الحالة الاقتصادية والاجتماعية لبلادنا. فقد تضاعفت نسبة الفقر حتى أصبحت الفوارق الاجتماعية مهددة للاستقرار. وقد ساهم هذا الوضع في استفحال مسببات العشرية السوداء التي عرفناها خلال التسعينات. كما عزز هذا التطور الخطير التوجه الذي يرى أن النتائج التي ستنجم عن الانضمام للمنظمة العالمية للتجارة ما هي إلا تكملة للثمن الباهض الذي دفعته الجزائر من جراء التعديلات الهيكلية المشترطة من قبل صندوق النقد الدولي.  

ثانيا ـ النتائج المخيبة لاتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي

لم يرق اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي المبرم عام 2004، إلى تطلعات الجزائر ليس من الجانب السياسي فحسب بل حتى  في شقيه الاقتصادي والتجاري. فهذا الاتفاق لم يكن له التأثير الإيجابي المطلوب لتعزيز الصادرات الجزائرية خارج المحروقات، بل كرس وضع الجزائر كمصدر للمواد الخامة ومستورد للمواد المصنعة. وقد يمنح الاتفاق الجزائري ـ الأوروبي حول تمديد رزنامة التفكيك الجمركي إلى 2020مهلة إضافية للقيام بالإصلاحات الضرورية. كما أن الاتفاق المذكور لم يساعد على جلب الاستثمارات الاجنبية المباشرة، حيث بقيت الاستثمارات الأوروبية في الجزائر ضئيلة بالمقارنة مع مستوى استثمارات بعض الدول الأخرى بما فيها العربية منها.

كما أن هذا الاتفاق لم يساهم في إعطاء الدعم الأوروبي الموعود به والمتوخى للمسيرة التفاوضية الجزائرية للانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة. فلم يرق هذا الدعم المعلن إلى حيز التنفيذ بحيث اكتفى الطرف الأوروبي بتصريحات سياسية عامة. والأمر من ذلك فإن الأوروبيون أصبحوا هم من الذين يثقلون كاهل الطرف الجزائري بالطلبات والشروط المجحفة والمبالغ فيها لاستكمال مفاوضات الانضمام إلى هذه المنظمة.

ثالثا ـ الشروط الجائرة التي تفرضها الدول الأعضاء على الجزائر.

تجدر الإشارة إلى أن المنظمة العالمية للتجارة تسير وفق ممارسات تميزها عن باقي المنظمات الدولية. فالانضمام إليها يخضع إلى مسار تفاوضي مع أعضائها يحددون على إثره "رسم الدخول". فالعنصر الأساسي في هذه العملية يكمن في التأويلات التي تخضع لها المادة 12من اتفاقية مراكش. فهذه المادة تحتوي على نص عام يسمح للأعضاء بكل حرية أن يحددوا شروط الانضمام إليها. إذن فغياب مقاييس محددة للعضوية يفتح الباب لتأويلات مختلفة لا تخلو من الاعتبارات السياسية. وفعلا تعرضت الجزائر في مسارها التفاوضي لشروط قاسية لم تأخذ بعين الاعتبار مستواها التنموي. بل وتعدت هذه الشروط تلك التي التزمت بها الدول الأعضاء في المنظمة بما في ذلك المصنعة منها. وقد عبرت الجزائر عن استنكارها ورفضها لهذا المنطق.

تلك هي العناصر الثلاثة التي وددت أن أذكرها والتي أثرت سلبا على وضعية الجزائر من المفاوضات التجارية المتعددة الأطراف.

السيد الرئيس،

كل هذه العوامل ألقت بظلالها على المسار التفاوضي لانضمام الجزائر للمنظمة العالمية للتجارة. وتعدت تلك المفاوضات لِتُؤَثَِّرَ على أطر التعاون التي تربط الجزائر بالدول الأخرى، وهذا ما أدى إلى تجميد المفاوضات مع دول الشراكة الأوروبية للتبادل التجاري الحر، منذ 2007.

كما كان لهذا الوضع انعكاسات على التعاون جنوب/جنوب. فالجزائر ما فتئت تدعو إلى تعزيز هذا التعاون، في جميع المجالات، بما فيها المبادلات التجارية. ولقد أثنى رئيس الجمهورية فخامة السيد عبد العزيز بوتفليقة، بمناسبة قمة طهران لمجموعة الخمسة عشرة، المنعقدة في مايو 2010، على التقدم المحرز في إطار المفاوضات بخصوص النظام الشامل للتفضيلات التجارية بين الدول النامية لجولة ساو بولو، والتي شاركنا فيها دون انقطاع منذ انطلاقها في 2006.

إلا أن تضاعف الصعوبات من جراء الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية الأخيرة يكون قد أدى بالجزائر إلى العدول عن التوقيع على المعاهدة التي توجت هذه المفاوضات بمدينة فوز دي قواسو(Foz Di Guaçu)بالبرازيل، في منتصف شهر ديسمبر المنصرم خلافا لبقية شركائها في المنطقة، علما أن مخلفات هذا الموقف يضعنا مستقبلا في إطار التعاون جنوب/جنوب أمام نفس معضلة الانضمام والتي نواجهها حاليا بالنسبة للمنظمة العالمية للتجارة.

والصعوبات نفسها أثرت على عضويتنا في معاهدة المنطقة العربية للتبادل الحر، حيث أدخلت بلادنا بعد مرور أقل من عام على انضمامها، قائمة سلبية تحتوي على ما يزيد عن 1200منتوج في قوائم هذه المعاهدة.

والآن يجدر بنا التساؤل حول الحلول التي يقتضيها مثل هذا الوضع لالتحاق الجزائر بركب الاقتصاد العالمي كمنتج للثروة.

إن الأوضاع الصعبة التي تمر بها بلادنا تفرض علينا لا محال، القيام بتحكيم لا شك أنه حساس وصعب، فالخيار يقع بين تبني:

إما سياسة ترتكز على المدى القريب والتي تعمل على الحفاظ على المكاسب الظرفية الحالية، من خلال حماية السوق الوطنية وما يترتب على ذلك من خلق فرص العمل للشباب،

أو توجه يرمي إلى تحقيق نقلة نوعية على المدى المتوسط والبعيد، يسهم في تمكين الاقتصاد الوطني من الوصول إلى خلق القيمة المضافة، بحيث يستطيع أن يستفيد من المشاركة الفعالة في العولمة.

في حالة تبني الحل الثاني يبقى الخيار بين منهجين: إما الابقاء على المقاربة المنتهجة إلى يومنا هذا والتي أجلت الإصلاحات الضرورية للاقتصاد الوطني إلى حين أن تفرض علينا مقابل الانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة، أو أن نضع مسبقا خارطة طريق نقوم من خلالها بهذه الإصلاحات حسب جدول زمني صارم لتهيئة المناخ للانضمام.

وكان التوجه الأسلم يقتضي منا منذ الاجتماع الأول لفريق العمل في سنة 1998أن نحدد خطة طريق تغطي المدة الزمنية الكفيلة باستكمال جميع التعديلات الهيكلية والقانونية اللازمة للاقتصاد الوطني، على أن تُتْبَعُ بعد ذلك بمفاوضات الانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة. وهذا الخيار هو الذي مكن بالفعل كل من المملكة العربية السعودية وجمهورية الفييتنام الاشتراكية من الانضمام إلى المنظمة المذكورة بأقل الأثمان. وأستسمحكم أن أوجه تشكراتي الخالصة إلى كل من سعادة السفير الفييتنام فو دونغ، وسعادة الأخ الدكتور فوزي العلمي، كبيري مفاوضي انضمام بلديهما، على قبولهما المساهمة في هذا الفضاء التشاوري.

فتحديد خارطة طريق على مدى زمني محدد يستبق عملية الانضمام،  من شأنه أن يقلل الانعكاسات السلبية وإن كانت حتمية إلى درجة ما في المدى القصير. ومع ذلك فإن آثارها قد تبقى معقولة بالمقارنة مع ما يمكن أن يعاني منه الاقتصاد الجزائري لو تم تأجيل الإصلاحات المطلوبة إلى حين استكمال عضويته في المنظمة السالفة الذكر. فعملية الانضمام تُفْضِي لا محال إلى نتائج إيجابية إذا ما حصلت في إطار مشروع اقتصادي تنموي مهيأٍ، فعلى سبيل المثال نسب النمو الاقتصادي التي سُجِلت في الفييتنام بعد انضمامه للمنظمة ارتفعت بطريقة مذهلة لتبلغ مستويات قياسية.

هذه هي الإشكالية التي تستنطقنا اليوم والتي تستوجب من كل واحد منا كل في موضعه، التعامل معها بكل موضوعية وواقعية. فإنني أرى أن الانضمام إلى المنظمة العالمية للتجارة ليست ضرورة تمليها المصالح الاقتصادية الوطنية فحسب بل هي حتمية تاريخية. وإن كان لهذا الانضمام كما سبقت الإشارة إليه ثمن، فتأخيره يؤدي حتما إلى مضاعفة تكلفة رسم الدخول إلى هذه المنظمة.

وجدير بنا السؤال: هل يمكن للجزائر أن تعيش بمعزل عن الفضاء الاقتصادي العالمي متحملة لأعبائه ومحرومة من الاستفادة من مزاياه؟

وإن كان الرد يحتمل الإيجاب فإنه يستلزم الاعتماد الكلي على اقتصاد الريع، الذي عجز لحد الآن على إفراز الحلول الاقتصادية السليمة، بما فيها الوصول إلى التشغيل الكامل .

وتبقى الجزائر من الدول القلائل التي لازالت لم تنضم إلى المنظمة العالمية للتجارة بالرغم من أن مسارها التفاوضي هو الأطول على الإطلاق في تاريخ هذه المنظمة. فباستثناء روسيا التي هي على وشك الانضمام، تتكون أغلبية الدول غير العضوة في المنظمة من الدول الأقل نموا كإثيوبيا وجزر القمر وأفغانستان أو من الدول التي تتعرض إلى صعوبات يغلب عليها الطابع السياسي كسوريا وإيران.

السيد الرئيس،

إن الوضع الحالي للمفاوضات الجزائرية يعكس عملية المد والجزر، مما أدى بشركائنا إلى تصعيد طلباتهم. فالتنازلات التي أقدمت عليها الجزائر خلال مسارها التفاوضي معرضة الآن للمراجعة بالزيادة والأمر سيتفاقم ما طالت هذه المفاوضات. كما أن الدول المنضمة حديثا تعمل بإلحاح لتفرض على الدول المترشحة كالجزائر قبول التنازلات التي فرضت عليها بالأمس كثمن لانضمام هؤلاء الأعضاء الجدد.

يضاف إلى هذا أن مصلحة الجزائر قد تكمن في انضمامها إلى المنظمة العالمية للتجارة قبل اختتام ما يسمى بجولة الدوحة للتنمية. فإطالة هذه الجولة منحت الجزائر مزيدا من الوقت للقيام بالإجراءات المطلوبة منها. ومن المحتمل جدا أن بعض المسائل التي هي الآن خارج مجال مفاوضات انضمام الجزائر، كتحرير الخدمات النفطية واستغلال الثروات الطبيعية، تصبح موضع التفاوض مع الجزائر بعد إتمام جولة الدوحة. هذا الأمر قد يعرض القطاع الطاقوي في الجزائر إلى المزيد من التنازلات في حالة ما إذا أخرنا الانضمام.

إن واقع المفاوضات يبين عددا متنازلا للأسئلة المطروحة على الجزائر في إطار فريق العمل المذكور، حيث تقلص عدد الأسئلة من 223سؤال في 2005إلى 96سؤال بعد الدورة العاشرة لهذا الفريق في 2008. يبقى أن النقاط العالقة بعد اجتماع ألفين وثمانية تكشف عن تباين المواقف بين الطرف الجزائري والأطراف الأخرى، لاسيما ما يتعلق منها بالمسائل الحساسة كنمط مواءمة ثمن الغاز الطبيعي التدريجي للقطاع الصناعي مع السعر العالمي، حتى وإن كان انخفاض أسعار الغاز في الأسواق العالمية مؤخرا يقلل من حدة هذه الإشكالية.

وفي النهاية، يتطلب المسار التفاوضي، بالتوازي مع التقدم المنتظر في المفاوضات المتعددة الأطراف، إبرام عدد مقبول من الاتفاقيات التجارية الثنائية. إلا أنه خلال الثلاثة عشرة سنة المنصرمة لم نتوصل إلا إلى توقيع أربعة اتفاقات ثنائية. ويختلف هذا الوضع تماما مع الدول التي انضمت مؤخرا إلى المنظمة العالمية للتجارة. فالفييتنام كان قد وقع على 26اتفاقا، وأوكرانيا على 41اتفاقا خلال مساري انضمامهما إلى المنظمة العالمية للتجارة.

وأخيرا فإن مسألة انضمام الجزائر تبقى مرتبطة ارتباطا تلازميا بالاستراتيجية التنموية لبلادنا وكذا بطبيعة النمط الاقتصادي الذي تنتهجه.

راجيا أن أكون قد وفقت في مقاسمتكم بعض الأفكار حول هذا الموضوع، أشكركم على حسن الإصغاء.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.